مؤلف مجهول
220
الإستبصار في عجايب الأمصار
وهذا دليل على ما قيل . ومدينة غانة مدينتان ، إحداهما يسكنها الملك والأخرى يسكنها الرعية والتجار والسوقة ، بينهما الدور والمساكن نحو 6 أميال متصلة . وفي مدينة الرعية جامع كبير ومساجد كثيرة ، وفيها الأئمة المؤذنون والفقهاء والعلماء ، وحواليها آبار عذبة منها يشربون ، وعليها الخضر والمقاتى . ومدينة الملك تسمى الغابة ، وللملك بها قصر عظيم وقباب ، قد أحاط بذلك كله حائط مثل السور ، وعلى مقربة مجلس حكم الملك ، وحول قصره قباب وغابات وشعراء يسكنها السحرة وأهل ديانته ، وفيها دكاكيرهم وقبور ملوكهم ، ولها حرس فلا يمكن أحد من الغرباء دخولها ولا معرفة ما فيها ، وهناك سجون الملك فإذا سجن أحدا انقطع خبره . وفي مدينة الملك مسجد يصلى فيه من يفد عليه من تجار المسلمين . والملك يجلس للناس للحكم في قبة عظيمة وأمام القبة عشرة أفراس من عتاق الخيل ، وعليها الحلل المذهبة من الحرير والديباج على عدمها ببلادهم . والملك يتحلى بحلى النساء « « ا » » في عنقه وذراعيه ، ويحمل على رأسه طرطورا مذهبا ويعمم عليه عمامة قطنية ، وعن يمينه وعن يساره أبناء الملوك والوزراء وخاصته من أعيان بلده ، قد ضفروا رؤوسهم بالذهب والجوهر وعليهم الثياب الرفيعة . ولا يلبس ثوبا مخيطا من أهل دينه إلا هو وولى عهده ، ومن سواهما يلبسون ملاحف الحرير والديباج ، وسائر أهل بلده يلبسون ملاحف القطن . والملك وسائر أهل بلده الذين على ديانته يحلقون لحاهم ونساؤهم يحلقن رؤوسهن . ولا يولى الملك عهده إلا لابن أخته وهو يشك في ابنه ولا يقطع بصحة اتصاله به ، وإذا جلس الملك في قبته لمظالم الناس ينذرون لجلوسه بطبل عظيم يسمونه دبا « « ب » » ، وهو خشبة طويلة منقورة قد جلّدوها لها صوت هائل يجتمع الناس إليه ، فإذا دنا منه أهل دينه جثوا على ركبهم وحثوا التراب على رؤوسهم . وأما المسلمون فتحيتهم عليه تصفيق باليدين ، وجلوس الوزراء أمامه إنما هو على الأرض تواضعا للملك . وإذا مات الملك عملوا له قبة ووضعوا له الأطعمة والأشربة وكل من كان يخدم طعامه وشرابه ، وأغلقوا عليهم باب القبة وجعلوا فوقها الحصى والأمتعة ، واجتمع الناس فردموا فوق القبة بالتراب حتى يأتي الموضع مثل الجبل الضخم ، ثم يحتفرون حوله حفيرا
--> « ا » القراءة في « ب » كالآتى : والملك يتجلى على النساء . « ب » ب : دوبى ، م : ديبى . البكري ، ص 176